طوق نجاة Read Count : 45

Category : Stories

Sub Category : Romance
قلبه بمثابة طوق نجاة لى....
تقول أحداهن "لقد التقيت به لأول مرة فى المطار ،وقد كان مسافرا معى فى نفس الطائرة..بل فى المقعد المجاور لى...طوال الطريق يهمس بذكر الله ،لم يرفع بصره قط من مصحفه...غضضت بصرى أيضا عنه....فلطالما حفظت قلبي من الوقوع فى الحب المحرم...فأنا مدركة تماما بأن قلب المرأة كالقلعة إذا سقط قلبها سقطت معه..وبينما أنا كذلك أتصفح الأخبار ثم أتناول بعض الكعك...وما لبثت حتى نادت المضيفة بأن الطائرة على وشك السقوط....فقد ضلت مسارها...من كثرة الغيوم فى هذا اليوم ..فثورت ذعرا وتوخيت حذرى بأن أفعل ما قالت المضيفة عنه... سقطت الطائرة على الأرض ووثب القليلون  من الطائرة  وساعدنى  ذلك الشاب   _الذى كان يجلس بجوارى_ بالنزول بسرعة....ولكنه وا أسفاه!! فلم يمر إلا بضع دقائق.حتى اشتعلت الطائرة وهلك  من بداخلها ...

كانت فلاة واسعة ...صحراء جدباء مثل قلبي الذى اقتلعت  كل زهوره برؤية هذا المنظر الذى لم أره من قبل إلا فى أفلام الرعب....ولكننى قد نجوت من موت محقق... وزاد من خفقان قلبى منظر الأرض التى ليس بها أى مظهر للحياة....
.وبدأت بالسير هائمة لا أدرى ماذا أفعل!! المكان خالى هنا!
يا رباه ماذا أفعل فأنا هنا لا أعرف أحدا!
وإذ بالدموع تسيل على وجنتي كأنها بحر غرقت فيه....ولعل دموعى تنبت وردة فى هذه  الصحراء التى يبدو أن المطر لم يطرق باباها منذ الكثير!
فهممت بالجلوس على  الأرض_بعد سير ليس بالطويل_ لعل الله يرسل لى من يكون طوق نجاة لى...وأتعمد ذكر ما يتعلق بالمياه والغرق بالرغم من ندرتها وجدب الصحراء!
قد يبدو لأننى لم أزر صحراء من قبل فأتعجب من العيش فى مثلها..فلطالما كنت مرفهة العيش وكنت أسكن بجوار البحر..  لم تعبر على ذاكرتى قط فكرة العيش في مثل هذه الأرض!
وإذ أنا هكذا جالسة...مر  سرب من الطيور فوقى  يبدو وكأنه مهاجر....ولحظتها أطلقت العنان لخيالى... بعد أن يأست من فعل شىء!
تخيلت نفسي أطير مثل هذه الطيور إلى أهلى لأطمنأهم على..لكن كيف السبيل إلى أهلى 
فلم يأتى من ينقذنى ....طار عقلى بى مجددا إلى الصف الرابع الأبتدائى فقد رأيت بساط الريح فى بعض قصصه ...فتمنيت لو أنى لى واحدا..ودار  فى ذهنى الكثير من الأفكار،لكننى ليس لى إلا الدعاء فى مثل هذا الموقف العصيب...
قطع حبل أفكارى صوت ذلك الشاب نفسه الذى ساعدنى قائلا :"تفضلى بعض الماء"
لقد كنت حقا بى ظمأ شديد ولكننى باغت هذا الشعور بأن أروي ظمأى بأفكارى الى رسمتها فى مخيلتى.
ثم أطرق برهة وبدأ بالحديث  قائلا:"يبدو أننا علقنا فى هذه الأرض فقد مرت خمس ساعات ولم يرسل إلينا أى طاقم للنجاة...سوف أصحبك فى السير حتى نجد خيمة أو من يعيش فى هذه الصحراء...فقد قربت الشمس على الزوال وأخشى أن يصيبك مكروه من الزواحف التى تجوب الأرض وتنشط فى الليل "
شكرته على مروءته.....فلقد كان حتما على أن أسير مع رجل غريب بمفردى لم أعتد على ذلك من قبل ولكنه القدر!
بدأنا فى السير...ولم أنطق ببنت شفة..وهو كذلك أيضا...
ومضي كثير من الوقت ونحن  نسير،كان يقرأ بعض الآيات .... والتى كانت تؤنسنى فى وحشتى التى حلت بقلبى...كان صوته عذبا مستساغا كان بمثابة الماء الذى يروى عطش قلبي فينبت فيه زهور الأطمئنان مرة أخرى...
ونحن فى طريقنا،لاحظ ذلك الشاب الذى لا أعرف اسمه بعد...ضوءا لنار موقدة على  بعد خطوات منا ،والتى لم ألحظها حيث أننى عدت مجددا إلى خيالاتى التى تؤنسنى وأهرب بها من هذا المكان الذى دبت أرضه الوحشة والنفور...
إذ به يطلب منى أن أتبعه إلى الجانب الآخر المضاء بالنيران لعلنا نجد من يدلنا على حل نخرج منه من هذا المأزق!
تبعته وكلى أمل بأن أجد السبيل إلى النجاة..حتى وصلنا.فوجدنا رجل يجلس بجوار خيمته ويمسك بيده كتابا يدون فيه على ضوء ناره التى أشعلها! فألقى الشاب السلام عليه وبدأ بسرد ما حل بنا....فرحب بنا هذا الشيخ الهرم بكل حفاوة وقدم لنا  مشروبا قد أعده لنا وبعض الطعام...فأخذ يحدثنا عن نفسه وعن أنه حكيم  فقد ورث الحكمة عن آباءه وأجداده...سألنى عن اسمى فأجبته :"اسمى مرام _فى أوائل العقد الثانى من عمري_أسكن فى فلسطين ،وأدرس الحقوق"....فشرد بذهنه قليلا  وقد تغير وجهه وبدت لمعات الدموع فى عينه  تظهر...فسألته عن سبب ذلك.فرد على بعد ثوان من التفكير :"لطالما حلمت بأن أذهب إلى هذه الأرض المقدسة ،قرأت عنها كثيرا ،فهى أرض الأنبياء _أرض طاهرة_مسلوب حق أهلها من العدوان  الصهيونى الغاصب، قد تمنيت لو أفدى هذه البلد بروحى فأنا فارس مقدام منذ الصغر ،ولكن قد مرت السنون على وفقدت قوتى وهرم جسدى  ولم أذهب إلى هذه البلدة ولم أعد أحمل سوى عقلى الذى تشرب  الحكمة  وها أنا ذا أصب بها فى الكتب لعله يمر بى من هو ذاهب إلى أرض الحكمة ف أعطيه بعضها لتنفعه هناك" 
"أرض الحكمة!!!!"ولكن يا حكيم أين توجد أرض  الحكمة؟ ومن يسكن هذا الأرض؟ومن يذهب إليها؟ سألته بدهشة
فأجابنى برفق:"تبعد أرض الحكمة عنا بمسيرة شهر...يسكن هذه الأرض الحكماء فقط وأبناؤهم....وعليكم أن تذهبوا إلى هناك حتى تتمكنوا من الرجوع مرة أخرى إلى بلدكم".
تحدث الشاب مع الشيخ وقال له:"بلدنا!! ،ولكن كيف ؟ ".
أجابه الحكيم :"يوجد بهذه الأرض _أرض الحكمة _حكيم  من الجن هذا الحكيم سيأمر لكم حراسه من الجن أن يذهبوا بكم إلى بلدتكم...فلا أحد هنا يعرف طريقا إلى أرض أخرى سوى الصحراء _سأعطيكم كتابا  ،وأعلمكم بعض الشىء قبل أن تبدأ رحلتكما_فلن تتمكنا من الرجوع بلدكم  إلا بالذهاب إلى أرض الحكمة"
قد كانت النيران الموقدة على وشك الإنطفاء؛فقد مر نسيم بارد محملا ببعض الرمال ...فضرب لي الشيخ خيمة لأبات فيها،وساعده الشاب فى إقامتها،حتى انتهوا فدخلت الخيمة وجال بخاطرى أفكار أرقتنى فلم أذق طعما للنوم ليلتها..جال بخاطرى أمى وأبى وقلقهم الذى يدمى قلوبهم حزنا على فقدى ،فكيف لى أن أمكث شهرا مع شاب غريب لا أعرفه ،حتما سأموت من فرط الحنين لأهلى ومن وحدتى بالرغم من صحبته فى سيرى......ومرة أخرى صوته عبر إلى قلبى وهدأت  أمواج ذهنى  المتلاطمة بالأفكار؛فقد كان صوته كصوت عصفور مغرد فى جنة غناء....
ظهر الخيط الأبيض من الأسود! أنه الفجر! قد بزغ ضوء الشمس بعد أرق طويل....سمعت صوته مرة أخرى وهو يصلى مع الشيخ...فقمت وأتوضأت وصليت...وما هو إلا وقت قليل حتى نادى عليا ذلك الشاب " يا مرام!" 
فأجابته ثم قال لى إن الشيخ يريد أن يتحدث معنا قبل المغادرة..فخرجت من خيمتى وجلست معهم_وبدأ الشيخ بالحديث_هذا كتابكم سوف يصحبكم فى رحلتكم إلى أن تصلوا إلى الحارس الجنى فتعطياه هذا الكتاب...قبل أن تغادرا عليك يا يوسف أن تحمى مرام فسوف تلقيان صعوبة فى هذه الرحلة_ أنت شاب شهم_ ...سوف يؤنسكما ذلك الكتاب فى رحلتكما...وأنت يا مرام توخى الحذر واسمعى ليوسف فقد أوصيته ببعض الوصايا عليك أن تتبعيه فى كل شىء...سوف تمران على واد يسمى وادى النهرين وهناك سوف تقابلكما زوجتى وتمدكى بالثياب يا مرام وبعض من المتاع والزاد للرحلة وتمدكما بجملين.....
شكرت ذلك الحكيم على خلقه وضيافته وشكره يوسف أيضا الذى علمت اسمه للتو من حديث الشيخ الحكيم......
وبدأت رحلتنا....!
سرت بجوار يوسف حتى وصلنا إلى بئر فشربت أنا وشرب وتوضأنا وحملنا قرب ماء معنا لنروى بها ظمأنا.....توقف يوسف ليصلى وصليت  أيضا..ثم أنطلقنا مرة أخرى 
تعبت فى الطريق  فرأيت شجرة فقولت ليوسف أنى أريد أن أستريح تحت هذه الشجرة  ثم نظر إليها بتمعن وأمرنى بأن أسير وألا أذهب إليها....فغضبت وتوقفت وقلت له بنبرة ساخطة "أريد أن أستريح لماذا أنت قاس هكذا "وتسللت الدموع من عينى فلم أطق المسير مع شاب قاس مثله...وتوقفت وهممت أن أسير بمفردى..
ومثل أى فتاة فى عمرى أفكر بطيش ...لدى قلب طفلة صغيرة تسخط على من  يرفض طلبها وتتهمه بالقسوة...
توقف هو أيضا فقد تحتم علينا السير معا إلى أرض الحكماء 
وأخذ ينظر لى بنظرات بها رفق وحنان عندما رأى الدموع على وجنتى فهذه هى أول مرة يرانى أبكى فيها منذ أن وصلنا إلى هذه الأرض......
ثم قال لى يا مرام ألم يقل لك الحكيم اسمعى ليوسف!
فكرت فى كلامه ثم مضيت معه متبرمة على فعله فقد كنت  أؤثر  أن يخبرنى لماذا  يرفض....

شققت طريقى بدمعتى وبدأت أفكر بأبى الذى كان كلما رأى دموعى ضمنى إليه وهو يربت على كتفى بحنان.فقد كان حضنه بمثابه الوطن....
ثم استوقفنى يوسف بقوله   تلك  الشجرة تعالى لنستظل بها وتستريحى من عناء الطريق.....
فظننته أنه رفق بى لرؤيته دموعى مجددا...ثم جلست و استندت إلى هذه  الشجرة استظل بظلها ....  ثم ناولنى بعض الماء وطلب منى أن اتوضأ لكى أصلى.ثم صليت وبدأت دموعى فى الأنهمار مرة أخرى لا أدرى لماذا بكيت هذه المرة
فلربما الغربة التى أشعر بها  والوحشة التى تتخلل فؤادى ،خوفى على أهلى..أم أن قسوته على قد كانت كالظلام على قلبي. فضل قلبي طريقه فجلس يبكى وحيدا مثلى!.....
مرة أخرى صوت القرآن يطمأن فؤادى  ولكن كان  هذه المرة صوته بجوارى تماما ،وأخذ يتلو ويتلو حتى هدأت وجفت دموعى وعم السكون قلبي فهدأت أمواجه الثائرة وامطرت الغيوم  التى صنعها بقسوته  ...على فؤادى فأنبتت فى قلبي الطمأنينة...
ثم قال  لى فى رفق يا مرام  لا تخافى فأنا سأحميك حتى تصلى إلى بلدك..
لم أعبأ لحديثه فقد تذكرت رفضه طلبى وثورت مجددا :"سأحمى نفسي بنفسي شكرا لك"قلت له بنبرات غضب 

أدرك يوسف أن الطفلة التى بداخلى قد ثارت مجددا فعليه أن يحنو عليها ويوضح لها سبب رفضه فسوف تثور كثيرا فى الطريق الملىء بالصعوبات...
قال لى "يا مرام  تلك الشجرة هى شجرة ملعونة شجرة لو جلست بجوارها سوف تبتلعك الأرض وتذهب بك  إلى أرض الشياطين فى أعماق الأرض " 
ذهلت من قوله وأطفئت نيران الغضب الثائر كالبركان بداخلى ولمعت عيني بدمعة أخرى ولكنها دمعة هبطت من سماء الأمتنان لهذا الشاب فتبسمت شفتى وأزدادت وجنتى حمرة من خجلى من نفسي بأن فكرت  بأنه يقسو على....
فقولت له:"  آسفة يا يوسف على قسوتى معك ،وأعدك أن أسير معك طوال الطريق دون أن أعارضك فى شىء". 
فقال لى:" يا مرام  أعدك بأن أحميك وأن أكون رفيقا بك ، لا تخافى منى فأنا من بلدتك وكعادة الفلسطينين البسالة والمروءة سوف أحافظ  عليك حتى تعودى إلى أهلك سالمة"....
شعرت بالراحة تسرى فى جسدى وشعرت قلبى يوقد شموع الحب  لأول مرة!
وبدأت فى السير بجواره مجددا وتبدلت الصحراء   إلى قطعة من  الجنة ،جنة أتنعم فيها معه وتحوم الطيور مغردة فوقنا..رأيت هذا كله بعين قلبي....

شققنا الطريق سويا حتى وصلنا إلى خيمة زوجة الحكيم..فحللنا ضيوفا عليها فرحبت بنا وقدمت لنا طعاما شهيا بعد طريق طويل شققناه بمعدة خاوية....
أستعدت طاقتى مرة أخرى وتحدثت كثيرا مع هذه الزوجة الوفية لزوجها لقد اشتاقت إليه فهو يهيم بالصحراء منذ شهر  يصب فيه حكمته فى الكتب بعيدا عن ضوضاء هذا الوادى....وادى النهرين الذى يوجد به كثير من أهل البادية يعيشون فيه حياتهم بين صيد للغزلان وزراعة بمياة الآبار ورعى للأغنام...مثل أى حياة للبادية 
بتنا ليلتها فى بيتها حتى شق نور الشمس السماء المظلمة 
زودتنا بالمتاع والجمال ثم سيرنا مرة أخرى أنا ويوسف إلى مقصدنا "أرض الحكمة"....
يتبع#
ريهام_حسين#

Comments

  • كل منا يحتاج لطوق نجاة ولكن لقلبه الذى يغرق فى بحر الحياة بمشاقها يأتى قلب شريكه ليكون له طوق نجاته.

    Aug 31, 2019

Log Out?

Are you sure you want to log out?